حصار شِعب بني تميم…دروس وعبر


aviationnew-660.jpg

رغم أن الحديث عن السياسة ليست ضمن أهداف المدونة، إلا إنني أجد نفسي مرغمة لتدوين هذا الخطب الجلل الذي نعيشه في قطر(أو كما يروق لي أن أسميه شِعب بني تميم). الأجواء التي نعيشها أنعشت ذاكرتنا في المرحلة الابتدائية عندما درسنا معاناة الرسول (صلى الله عليه وسلم) و أهله من بني هاشم في شعب أبي طالب. و المقارنة هنا عجيبة حيث أن الرسول و قبيلته حوصر من قبل أبناء عمومته من كفار قريش لمخالفتهم لدين آبائهم و الإتيان بما لم يأت به من سبقهم. بينما نحن حوصرنا ممن نحسبهم والله حسيبهم أنهم على ديننا وتربطنا بهم وشائج الدم و النسب و المصير. إلا أن الحصاريين اتفقا في بنودهما إلى حد كبير.

حصار بنو تميم أسقط أقنعة الكثيرين و كشف المستور عن مماراسات من يدعون أخوة الدم و الدين في بقاع شتى من عالمنا الإسلامي المتشرذم الجريح من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب. لن أتطرق لخلفيات هذا القرار الجائر و لا عن الألاعيب التي مارسوها فقد قتلت الجزيرة و محللي تويتر ذلك بحثاً و تفصيلاً وتقيأنا بشاعة ما قاموا ويقومون به. ودعونا الله عزوجل أن يثبت علينا ديننا وصمودنا على الحق الذي لم يعد مبيناً -على ما يبدو- إلا للقليل من البشر في زمن الكثرة الباغية الظالمة. سأتطرق إلى تدوين الدروس و العبر المستفادة من هذا الحصار من تجربتي الشخصية و أنا على يقين أن غيري دونت ذاكرتهم العديد أيضاً.

١. الوطن سلعة غالية لا تقدر بثمن: لم يكن حرماننا من الغذاء و الدواء الذي يعبر من الشقيقة الكبرى هاجساً وكان الهاجس الأكبر أن لا يمس الوطن بضر حتى لو من بعيد. كل شيء يعوض إلا الوطن فلن تجد له بديلاً مهما حصل.

٢. الثبات على الحق حتى وإن اجتمع العالم ضدك: شعرت للحظة أن العالم تكالب علينا كما تتكالب الأكلة إلى قصعتها. ولكن كنت استرجع المواقف وأجزم أننا على الحق ومع الدعاء رزقني الله الثبات ولم أعد أكترث بمن هو ضد وفجأة وجدت المواقف المؤيدة لنا في تصاعد.

 ٣. التنازل مرة يعني التنازل ألف مره و فقدان الكرامة في نهاية المطاف: مطالب الدول الثلاث كانت متغيرة في كل مرة رغم اداعاءتهم بأن ماقدموا عليه هو قرار سيادي يخصهم إلا أن مطالباتهم لم تبدو لنا أنها تحترم سيادتنا. كنت أدعو الله كثيراً أن لا تتنازل القيادة لهم قيد أنمله والحمد لله تم لنا ذلك حتى الآن و أسأل الله تعالى أن لا نضطر للتنازل تحت أي ظرف من الظروف.

٤. الاعتماد على الذات و الثقة بالنفس: الصدمة جعلتنا ندرك أنه لا أمان إلا فيما نستثمر في وطننا والعلاقات يجب أن تبنى على أسس من الوضوح والمبادئ بعيداً عن المشاعر و الافتراضات. أبناء الوطن يقع على عاتقهم العمل بجد أكبر كل في مجاله لنحقق الاكتفاء الذاتي في شتى الصعد و المجالات. ففي أي لحظة قد نواجه خطر سحب دول لراعاياها من بلادنا وقد يصيب ذلك الوطن بعجز شامل. إن لم نتدارك قيامنا بواجباتنا ونشر روح الثقة في الأجيال الصاعدة.

٥. احتفظ بقواك العقلية ولا تفقد توازنك حتى وإن كثر محترفي الجنون من حولك: التزم بمبادئك وقيمك وستفرض احترامك على الجميع  أما أولئك المحترفين ستجرهم حتماً إلى الجنون وسيفضحون أنفسهم بأيديهم.

٦. العالم يحترم لغة واحدة هي لغة الأفعال الصارمة و القوة: أما التابعين فيتجاهلهم الجميع وسيذهبون حتماً إلى من مزبلة التاريخ

٧. قدسية البلاد لا تضفي بالضرورة صفة القدسية على من يحكم هذه البلاد أومن يدعي العلم الشرعي: احترام العالم الاسلامي لبلاد الحرمين ناشئ من حرمة الحرمين ولكن ذلك لا يعني أن من يحكم أو ينتمي إليها منزه معصوم. فقريش كانت تدير شؤون الحرم المكي ولم تكن على دين من بناها. المواقف يجب أن تبنى بعيداً عن هذه الحسابات كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- أنتم أعلم بأمر دنياكم. أمور الدنيا يجب أن تفصل عن شؤون رعاية الحرمين. فالحرم ملك العالم الاسلامي أجمع وقد شرف القائمين على هذه البلاد خدمتها وخدمة زوارهما. العلماء هناك رددوا ما يريد أن يسمعه الحاكم بلا أسس شرعية تعتبر، ووجدت العديد ممن حولي يلتمسون لهم العذر من باب خشية العالم على نفسه. لم أجد هذا العذر مقبولاً لأن فضل العالم على العامي في تحمله مشقة التبليغ الذي لا يكون في أغلب الأحيان على  هوى الحاكم. الإمام أحمد بن حنبل خير مثال على هذا خاصة أنهم ينتقدون العامة اجتهادهم في المسائل الشرعية ويجعلونها حكراً عليهم. فإن لم يكونوا قادرين على حمل الأمانه كما يجب فعليهم أن يسلموا الأمانة لغيرهم.

،٨. الصمت في زمن الغوغاء أكثر احتراما وتقديرا من الانزلاق في الوحل: شعرت بالخذلان في بعض الشخصيات حين رأيتهم صامتين إزاء ما يحدث ثم احترمت صمتهم عندما سقطت الغالبية ممن تحدث ونعق

٩. الأخوة الاسلامية أبقى وأحق أن نحافظ عليها من القبلية وروابط النسب: ظهر ذلك جلياً في موقف تركيا والسودان و الشعب الموريتاني وشعب جزر القمر وباكستان و المغرب و الجزائر

التجربة كانت صادمة جعلتنا نفقد لذة الصيام لكن وسعت مداركنا للخطر الذي يدور حولنا. خوفنا بعد اليوم ليس على أنفسنا ووطنا فنحن في حفظ الله مادمنا مدافعين عن الحق و المظلومين. لكن خوفنا على من بقي لهم حق الجيرة أن يعودوا للحق و يقوا الله في أنفسهم وشعوبهم فالخطر أدهى و أكبر مما قد يخطر على بال أحد.

اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة

Advertisements

About aemadi

Qatari Information Technology professional. Who witnessed technology revolution back in 1995. Master in Business Administration, from Qatar University. Perfectionist and passionate about my country. Hopefully will leave thumbnail to this live.
هذا المنشور نشر في مقالات. حفظ الرابط الثابت.

2 Responses to حصار شِعب بني تميم…دروس وعبر

  1. أمين امعييف كتب:

    على الرغم من الانشغال، لم أستطع إلا أن أقرأ المقال، وجدته جميلا، متماسك المحتوى.
    أعجبتني هذه الجملة:
    لم يكن حرماننا من الغذاء و الدواء الذي يعبر من الشقيقة الكبرى هاجساً، وكان الهاجس الأكبر أن لا يمس الوطن بضر حتى لو من بعيد. كل شيء يعوض إلا الوطن فلن تجد له بديلاً مهما حصل.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s